35ـ خطبة الجمعة: إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها
مقدمة الخطبة:
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ لَنَفَحَاتٍ، أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا.
يَا عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ أَثْقَلَتْ كَوَاهِلَنَا الذُّنُوبُ وَالخَطَايَا وَالإِعْرَاضُ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ رَحِيمٌ بِخَلْقِهِ، وَرَحْمَتُهُ مُطْلَقَةٌ، فَمِنْ تَمَامِ رَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ جَعَلَ لَنَا مُنَاسَبَاتٍ مِنْ أَجْلِ أَنْ نَتَعَرَّضَ لِنَفْحَةٍ مِنْ نَفَحَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ نَتَعَرَّضَ لِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِنَا قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، وَقَبْلَ أَنْ نَنْدَمَ وَلَا يَنْفَعُ النَّدَمُ.
يَابْنَ آدَمَ، يَا أَيُّهَا العَبْدُ المُذْنِبُ وَكُلُّنَا هَذَا العَبْدُ المُذْنِبُ، يَا أَيُّهَا العَبْدُ الخَطَّاءُ، وَكُلُّنَا هَذَا العَبْدُ الخَطَّاءُ، هَلَّا تَذَكَّرْتَ قَوْلَ النَّبِيِّ الأَعْظَمِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ سَيِّدِنَا أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ.
قَالَ: «ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
يَا مَنْ لَهُ ارْتِبَاطٌ بِيَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَا مَنْ لَهُ اعْتِقَادٌ بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِلْعَرْضِ وَلِلْحِسَابِ، هَلَّا اسْتَفَدْتَ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ بِكَثْرَةِ الإِقْبَالِ عَلَى اللهِ وَأَنْ تَصْطَلِحَ مَعَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. إِنْ كَانَ النَّبِيُّ الأَعْظَمُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَرِيصًا عَلَى زِيَادَةِ الطَّاعَةِ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ فَنَحْنُ أَوْلَى بِذَلِكَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الذَّنْبِ. النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَسْتَغِلُّ الفُرَصَ وَالأَيَّامَ فِي زِيَادَةِ القُرْبِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، هَذَا الشَّهْرُ الَّذِي غَفَلْنَا عَنْهُ فَقَصَّرْنَا فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ، وَرُبَّمَا أَنْ يَزْدَادَ تَقْصِيرُنَا فِي شَهْرِ شَعْبَانَ، لِأَنَّنَا نَتَطَلَّعُ إِلَى قُدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي يَرْمَضُ الذُّنُوبَ، فَرُبَّمَا البَعْضُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ يَسْتَغِلُّ هَذِهِ الأَيَّامَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ وَيَقُولُ: غَدًا يَأْتِينِي رَمَضَانُ فَالمَعْصِيَةُ لَا تَلِيقُ، وَإِذَا بِهِ يُكْثِرُ مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ!
مَا هَذَا يَا عِبَادَ اللهِ؟ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا يَقُولُ: «ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ». هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَغِلُّونَ شَهْرَ شَعْبَانَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ اسْتِعْدَادًا فِي ظَنِّهِمْ لِاسْتِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِأَنَّهُمْ سَيَتُوبُونَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَهَذَا هُوَ شَأْنُ الإِنْسَانِ المُؤْمِنِ؟ وَرُبَّمَا وَبِكُلِّ أَسَفٍ أَنْ تَرَى شَرِيحَةً مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَتَبَّعُ المُسْلِمِينَ إِذَا مَا أَرَادُوا فِي شَهْرِ شَعْبَانَ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيَتَعَاوَنُوا عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَأَنْ يَجْتَمِعُوا فِي بَيْتِ اللهِ امْتِثَالًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.
مَعَ كَثْرَةِ غَفْلَةِ النَّاسِ عَنْ دِينِ اللهِ وَطَاعَتِهِ، تَرَى شَرِيحَةً مِنَ النَّاسِ يُتَابِعُونَ هَؤُلَاءِ المُلْتَزِمِينَ وَيَقُولُونَ: لَا يَجُوزُ الاجْتِمَاعُ فِي المَسْجِدِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَا تَجُوزُ هَذِهِ الطَّاعَاتُ، لِأَنَّهَا بِدْعَةٌ، يَا أَخِي يَا سُبْحَانَ اللهِ، أَمَا تَرَى وَاقِعَ الأُمَّةِ، نَحْنُ بِأَمَسِّ الحَاجَةِ أَنْ نَتَمَثَّلَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. لِأَنَّنَا أَصْبَحْنَا ضُعَفَاءَ، مَنْ مِنَّا يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَمَاهُ؟ وَمَنْ مِنَّا يَقْرَأُ أَجْزَاءً مِنَ القُرْآنِ فِي جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ؟ وَمَنْ مِنَّا يُكْثِرُ الدُّعَاءَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ جُلُّنَا ـ وَسَامِحُونِي إِنْ قُلْتُ هَذَا ـ لَا يَعْرِفُ الدُّعَاءَ، وَجُلُّنَا إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ دَاعِيًا رُبَّمَا أَنْ يَدْعُوَ بِجُمْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ثُمَّ لَا يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ الدُّعَاءِ، نَحْنُ فِي حَالَةِ غَفْلَةٍ وَإِعْرَاضٍ، فَإِذَا مَا دُعِيَتِ الأُمَّةُ لِتَتَعَاوَنَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، انْتَبَذَتْ شَرِيحَةٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ: بِدْعَةٌ، وَلَا يَجُوزُ الحُضُورُ! مَنْ قَالَ لَكَ لَا يَجُوزُ الحُضُورُ؟ وَالأَدِلَّةُ كَثِيرَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ اجْتِمَاعِ المُسْلِمِينَ فِي بُيُوتِ اللهِ مِنْ أَجْلِ طَاعَةِ اللهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا دَخَلْتَ إِلَى بَيْتِ اللهِ وَرَأَيْتَ أُنَاسًا جَالِسِينَ يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ فَهَلْ مِنْ حَرَجٍ؟ وَيَمْدَحُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَهَلْ مِنْ حَرَجٍ؟ وَيُصَلُّونَ النَّوَافِلَ فَهَلْ مِنْ حَرَجٍ؟ وَيَسْمَعُونَ مَوْعِظَةً فَهَلْ مِنْ حَرَجٍ؟ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الصُّورَةُ هَذِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ أَصْحَابَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ رُبُّوا عَلَى مُرَاقَبَةِ اللهِ، وَكَلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَأَمَّا قُلُوبُنَا فَقُلُوبٌ زَاهِدَةٌ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ.
وَلِذَلِكَ يَا عِبَادَ اللهِ: إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ لَنَفَحَاتٍ، أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لِنَتَعَرَّضْ لِنَفَحَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ اللَّيْلَ وَتَصُومَ النَّهَارَ وَأَنْتَ مُنْفَرِدٌ، وَتَقُولَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
وَلَقَدْ خَلَوْتُ مَعَ الحَبِيبِ وَبَيْنَنَا *** سِرٌّ أَرَقُّ مِنَ النَّسِيمِ إِذَا سَرَى
فَهَنِيئًا لَكَ، وَأَقُولُ لَكَ: يَا أَخِي أُنَاشِدُكَ اللهَ أَنْ تَذْكُرَنِي بِدَعْوَةٍ صَالِحَةٍ فِي خَلْوَتِكَ مَعَ اللهِ. وَأَمَّا إِذَا كُنْتَ ضَعِيفًا لَا تَسْتَطِيعُ، وَكُنْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يُعِينُكَ، فَمَا الحَرَجُ أَنْ تَقُولَ لِصَاحِبِكَ: تَعَالَ يَا أَخِي لِنُجَدِّدْ إِيمَانَنَا، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟ أَوْ تَعَالَ لِنَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَوْ تَعَالَ لِنَقْرَأِ القُرْآنَ، مَا الحَرَجُ فِي ذَلِكَ؟ رَبُّنَا يَقُولُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
يَا عِبَادَ اللهِ: شَهْرُ شَعْبَانَ شَهْرُ القُرُبَاتِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا جَاءَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَالحَدِيثُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ». لَيْسَ فِينَا مُشْرِكٌ وَللهِ الحَمْدُ، وَلَكِنْ مَا أَكْثَرَ المُتَشَاحِنِينَ! أُنَاشِدُكَ اللهَ وَأَنْتَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ المُبَارَكَةِ، وَأَنْتَ مِمَّنِ امْتَثَلَ أَمْرَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا عِنْدَمَا قَالَ لَهُ مَوْلَانَا: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾. هَلْ أَنْتَ مُشَاحِنٌ؟ كَيْفَ الصِّلَةُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ إِخْوَتِكَ وَأَخَوَاتِكَ؟ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ زَوْجِكَ؟ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ أُمِّكَ وَأَبِيكَ؟ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ أَعْمَامِكَ وَعَمَّاتِكَ وَأَخْوَالِكَ وَخَالَاتِكَ؟ لِأَنَّهُ بِكُلِّ أَسَفٍ يَا عِبَادَ اللهِ صَارَ التَّشَاحُنُ مَعَ الأَبَاعِدِ أَمْرًا طَبِيعِيًّا، وَلَكِنَّ التَّشَاحُنَ انْتَقَلَ مِنَ الأَبَاعِدِ إِلَى الأَقَارِبِ، بَلْ إِلَى أَقْرَبِ الأَقَارِبِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبْنَائِهِ، مَا هَذَا المُجْتَمَعُ يَا عِبَادَ اللهِ؟ لَا يَنْظُرُ اللهُ وَلَا يَغْفِرُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لِمُشَاحِنٍ، انْظُرْ هَلْ فِي قَلْبِكَ الشَّحْنَاءُ وَالبَغْضَاءُ؟ هَلْ هَكَذَا كَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟
أَمَا تَعْلَمُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ عِنْدَمَا شُقَّتْ شَفَتُهُ السُّفْلَى وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجَّ وَجْهُهُ الشَّرِيفُ، وَوَقَعَ فِي حُفْرَةٍ، وَالصَّحَابَةُ تَأَلَّمُوا عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ عَلَى المُشْرِكِينَ. قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
يَا عِبَادَ اللهِ: مِنَّا لَا يَحْفَظُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. أَيْنَ القُلُوبُ السَّلِيمَةُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ؟ وَبَيْنَ الأُصُولِ وَالفُرُوعِ؟ وَبَيْنَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ؟ وَأَيْنَ القُلُوبُ السَّلِيمَةُ بَيْنَ الحَاكِمِ وَالمَحْكُومِ؟ وَبَيْنَ الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ؟ وَبَيْنَ القَوِيِّ وَالضَّعِيفِ؟ مَا هَذَا الحَالُ يَا عِبَادَ اللهِ؟ أَلَسْنَا بِحَاجَةٍ لِلِاجْتِمَاعِ لِيُذَكِّرَ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَإِذَا مَا اجْتَمَعَتِ الأَبْدَانُ وَأَكْثَرْنَا مِنَ الدُّعَاءِ عَسَى أَنْ يَغْسِلَ اللهُ مَا فِي قُلُوبِنَا.
هُمْ حَرِيصُونَ أَنْ يُبْعِدُوا الأُمَّةَ عَنِ الاجْتِمَاعِ بِحُجَّةِ البِدْعَةِ، وَإِنَّ هَذَا الابْتِعَادَ عَنِ الجَمْعِ يَزِيدُ فِي البَغْضَاءِ وَالتَّدَابُرِ، أَمَّا كَثْرَةُ اللِّقَاءِ وَالاجْتِمَاعِ فَهِيَ الَّتِي تَغْسِلُ مَا فِي القُلُوبِ، لِأَنَّ المُسْلِمَ عِنْدَمَا يَلْتَقِي مَعَ أَخِيهِ وَيُصَافِحُهُ وَيُصَّلِّيَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَتَسَاقَطُ ذُنُوبُهُمَا كَمَا تَتَسَاقَطُ أَوْرَاقُ الشَّجَرِ. أَلَسْنَا بِحَاجَةٍ إِلَى هَذَا؟
يَا عِبَادَ اللهِ: لِنَغْتَنِمْ هَذَا الشَّهْرَ العَظِيمَ المُبَارَكَ، شَهْرَ شَعْبَانَ، بِكَثْرَةِ القِيَامِ، وَانْظُرْ إِلَى مَا رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّنَا المُبَرَّأَةِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ قُبِضَ ـ أَيْ: لَا يَتَحَرَّكُ وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَابِسٌ نَفْسَهُ فِي حَالَةِ المُرَاقَبَةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ يَنْتَظِرُ رَحْمَةَ اللهِ تَعَالَى ـ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُمْتُ حَتَّى حَرَّكْتُ إِبْهَامَهُ فَتَحَرَّكَ، فَرَجَعْتُ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَوْ يَا حُمَيْرَاءُ ظَنَنْتِ أَنَّ النَّبِيَّ خَاسَ بِكِ؟». قُلْتُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ قُبِضْتَ لِطُولِ سُجُودِكَ، فَقَالَ: «أَتَدْرِينَ أَيَّ لَيْلَةٍ هَذِهِ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَطْلُعُ عَلَى عِبَادِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، وَيَرْحَمُ الْمُسْتَرْحِمِينَ، وَيُؤَخِّرُ أَهْلَ الْحِقْدِ كَمَا هُمْ».
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَتْ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، جَلَّ وَجْهُكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».
رُبَّمَا أَنْ تَسْمَعَ مِمَّنْ يَقُولُ لَكَ إِنَّ الاجْتِمَاعَ بِدْعَةٌ يَقُولُ لَكَ: الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، نَعَمْ الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَلَكِنَّ هَذَا الحَدِيثَ الضَّعِيفَ إِنْ عَمِلْتَ بِهِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ فَهَلْ هَذَا يَضُرُّ فِي دِينِكَ؟ إِنْ عَمِلْتَ بِهِ وَانْقَلَبْتَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَوَجَدْتَ رَحْمَةَ اللهِ قَدْ شَمِلَتْكَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَهَلْ أَنْتَ مِنَ السُّعَدَاءِ أَمْ مِنَ الأَشْقِيَاءِ؟ أَمَّا إِذَا قُلْتَ: هَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَإِنِّي سَأَعْرِضُ وَلَنْ أَتَعَرَّضَ، وَفُوجِئْتَ بِمَن كُنْتَ تَنْهَاهُ بِأَنَّهُ صَارَ مِنَ السُّعَدَاءِ، أَلَا يَتَفَطَّرُ قَلْبُكَ لِأَنَّكَ قَدْ حُرِمْتَ مِنْ هَذَا الخَيْرِ؟
يَا عِبَادَ اللهِ: يُؤَخِّرُ رَبُّنَا أَهْلَ الحِقْدِ كَمَا هُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، وَكُلُّنَا سَمِعَ الحَدِيثَ مِرَارًا عِنْدَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِأَنَّ «للهِ فِيهَا عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ بِعَدَدِ شُعُورِ غَنَمِ كَلْبٍ، لَا يَنْظُرُ اللهُ فِيهَا إِلَى مُشْرِكٍ، وَلَا إِلَى مُشَاحِنٍ، وَلَا إِلَى قَاطِعِ رَحِمٍ، وَلَا إِلَى مُسْبِلٍ، وَلَا إِلَى عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ، وَلَا إِلَى مُدْمِنِ خَمْرٍ» رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ. تَقُولُ لِي: هَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُ: «فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا» أَيْضًا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَلَوِ اجْتَمَعَتِ الأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ أَلَا تَرْتَفِعُ إِلَى مَرْتَبَةِ الحَسَنِ كَمَا يَقُولُ عُلَمَاءُ الحَدِيثِ؟
يَا عِبَادَ اللهِ: لِيُقْبِلْ مَنْ أَرَادَ الإِقْبَالَ، وَلَا أَقُولُ لِيُعْرِضْ مَنْ أَرَادَ الإِعْرَاضَ، لِأَنَّنِي وَاللهِ أُرِيدُ مِنْ نَفْسِي وَمِنْ كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى اللهِ، لِأَنَّنَا بِأَمَسِّ الحَاجَةِ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَإِذَا أَقْبَلْتَ عَلَى اللهِ، فَكَمَا تُطَهِّرُ جَسَدَكَ الظَّاهِرَ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَكَ، طَهِّرْ قَلْبَكَ، لِتَتَعَرَّضَ لِنَفْحَةٍ مِنْ نَفَحَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَتَصَالَحُوا يَا عِبَادَ اللهِ، أَزِيلُوا مَا بَيْنَكُمْ مِنْ بَيْنِكُمْ، أَقْبِلُوا عَلَى اللهِ، لَا تَقُولُوا: زَيْدٌ وَعَمْرٌو فِي حَالَةِ تَدَابُرٍ فَنَحْنُ كَذَلِكَ، وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾.
اللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالبَغْضَاءِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنْ كُلِّ وَصْفٍ يُبَاعِدُنَا عَنْ رَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
أَقُولُ هَذَا القَوْلَ وَكُلٌّ مِنَّا يَسْتَغْفِرُ اللهَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
** ** **
فِي يَوْمِ المَوْلِدِ الشَّرِيفِ وُلِدَ يَوْمُ المَجْدِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فِي يَوْمِ المَوْلِدِ الـشَّرِيفِ جَاءَتِ البِشَارَاتُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، لِتَكُونَ أُمَّةً مَتْبُوعَةً لَا تَابِعَةً، لِتَكُونَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. ... المزيد
الظَّوَاهِرُ القَبِيحَةُ فِي المُجْتَمَعِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلَكِنَّ أَقْبَحَهَا وَأَخْطَرَهَا ظَاهِرَةُ الكَذِبِ، هَذِهِ الظَّاهِرَةُ الَّتِي قَالَ عَنْهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ ... المزيد
مَنْ حُجِبَ عَنِ العِلْمِ عَذَّبَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى جَهْلِهِ، وَأَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ العِلْمُ فَأَدْبَرَ عَنْهُ، وَسَاقَ اللهُ إِلَيْهِ الهُدَى فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ ... المزيد
العَدْلُ وَالْإِنصَافِ عَزِيزَانِ بَيْنَ النَّاسِ، لِأَنَّ طَبِيعَةَ الإِنسَانِ أَنَّهُ مَيَّالٌ لِلظُّلْمِ وَمُحِبٌّ لِلْجَهْلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. إِلَّا مَنْ خَالَفَ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ وَشَيْطَانَهُ، وَاتَّبَعَ ... المزيد
حَتَّى نَفُوزَ بِطُوبَى لَا بُدَّ أَنْ نَسْمَعَ وَصِيَّةَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى ... المزيد
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يُصْبِحُوا آمِنِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، مُطْمَئِنِّينَ عَلَى أَعْرَاضِهِمْ، لَا يَخَافُونَ ظُلْمَ ظَالِمٍ، وَلَا جَوْرَ جَائِرٍ، وَلَا خِيَانَةَ خَائِنٍ، وَقَدْ أَشَارَ سَيِّدُنَا ... المزيد